الشيخ محمد زاهد الكوثري
157
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
من التوراة الخط ، والحروف ، والورق ، والدفتر ولم يحرق كلامي ، فأخبر تعالى أن كلامه ليس هو الحروف التي حرقت ولا أنه مما تناله الأيدي ولا تعتديه ولا يبلى ولا ينعدم ، ويؤكد هذا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو جعل هذا القرآن في إهاب وألقي في النار لم يحترق » ولم يرد صلى اللّه عليه وسلم أن الجلد ، والمداد والحروف المصورة لا تحترق ، وإنما أراد أن كلام اللّه تعالى هو القرآن لا يحترق في النار ولا يتصور عليه الحرق والعدم ، إنما يتصور ذلك على الأجسام والأشكال . فأما الكلام القديم فلا . والذي يدل على صحة هذا أنه - ونعوذ باللّه تعالى - لو أخذ اليوم جبار عاص للّه مصحفا فحرقه بالنار حتى صار رمادا ، أنقول إن كلام اللّه القديم احترق وانعدم ؟ أم نقول إن كلامه باق ثابت لم يحترق ولم ينعدم ، وإنما احترق الورق ، والحروف المصورة بلا خلاف بين كل عاقل . دليل آخر على حدث الحروف : وهو أن الأمة مجمعة على أن من قرأ كلام اللّه تعالى في صلاته لم تبطل صلاته ، ولا خلاف أن من قرأ حروف التهجي في صلاته بطلت صلاته ، فعلم بذلك أنها ليست بكلام اللّه تعالى . دليل آخر على ذلك : وهو أن من قرأ القرآن وهو جنب أو امرأة حائض مع علمها بتحريم ذلك أنهما قد عصيا وفعلا ما لا يجوز لهما ، ولو تهجّى الجنب والحائض حروف الهجاء من أولها إلى آخرها لم يعصيا بذلك ، فعلم بذلك أن الحروف غير كلام اللّه تعالى . وإنما هي آلة يكتب بها كلام اللّه تعالى ويتلى بها كلامه ، وليست نفس كلامه . ويدل على ذلك أيضا ما روى علي رضي اللّه عنه أنه قال في جواب مسائل سأله عنها اليهود فقال : إن اللّه تعالى كلّم موسى عليه السلام بلا جوارح ، ولا أدوات ، ولا حروف ، ولا شفة ، ولا لهوات ، سبحانه عن تكيف الصفات . وأيضا ما روي عن علي عليه السلام أنه سئل هل رأيت ربك ؟ وكان السائل له دعبل فقال في جوابه : لم أعبد ربا لم أره . فقال له : كيف رأيته ؟ قال : لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان ، ويحك يا دعبل ! إن ربي لا يوصف بالبعد وهو [ قريب ] ولا بالحركة ، ولا بقيام ، ولا انتصاب ، ولا مجيء ، ولا ذهاب ، كبير الكبراء لا يوصف بالكبر ، جليل الأجلاء لا يوصف بالغلظ ، رؤوف رحيم لا يوصف بالرقة ، آمر لا بحروف ، قائل لا بألفاظ ، فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته ، وخلف كل شيء ، ولا يقال شيء قدامه ، وأمام كل شيء ، ولا يقال له أمام ، وهو في الأشياء غير ممازج ولا خارج منها كشيء من شيء خارج ، تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ الأعراف : 54 ] لو كان على شيء لكان محمولا ، ولو كان في شيء لكان محصورا ، ولو كان من شيء لكان محدثا .